الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
140
مناهل العرفان في علوم القرآن
إنما هو مباح بالبراءة الأصلية والحديث المذكور ما رفع إلا هذه البراءة الأصلية ، ورفعها لا يسمى نسخا كما سلف بيانه . من هذا العرض يخلص لنا أن نسخ القرآن بالسنة لا مانع يمنعه عقلا ولا شرعا . غاية الأمر أنه لم يقع لعدم سلامة أدلة الوقوع كما رأيت . 3 - نسخ السنة بالقرآن هذا هو القسم الثالث . وفيه خلاف العلماء أيضا بين تجويز ومنع على نمط ما مر في القسم الثاني ، بيد أن صوت المانعين هنا خافت ، وحجتهم داحضة . أما المثبتون فيؤيدهم دليل الجواز كما يسعفهم برهان الوقوع . ولهذا نجد في صف الإثبات جماهير الفقهاء والمتكلمين ، ولا نرى في صف النفي سوى الشافعي في أحد قوليه ومعه شرذمة من أصحابه ، ومع ذلك فنقل هذا عن الشافعي فيه شئ من الاضطراب أو إرادة خلاف الظاهر . دليل الجواز : استدل المثبتون على الجواز هنا ، بمثل ما استدلوا على القسم السالف ، فقالوا : إن نسخ السنة بالقرآن ليس مستحيلا لذاته ولا لغيره . أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فلأن السنة وحى كما أن القرآن وحى ولا مانع من نسخ وحى بوحي لمكان التكافؤ بينهما من هذه الناحية . أدلة للوقوع والجواز : واستدلوا على الوقوع بوقائع كثيرة ، كل واقعة منها دليل على الجواز كما هي دليل على الوقوع ، لما علمت من أن الوقوع يدل على الجواز وزيادة .